الشنقيطي

392

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وجوههم وأدبارهم جاء موضحا في مواضع أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى في الأنفال : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ الأنفال : 50 ] وقوله في الأنعام : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ [ الأنعام : 93 ] الآية . فقوله : باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أي بالضرب المذكور . والإشارة في قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي أعني قوله يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . أي ذلك بضرب وقت الموت واقع بسبب بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ أي أغضبه من الكفر به ، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله . والإسخاط استجلاب السخط ، وهو الغضب هنا . وقوله : وكرهوا رضوانه لأن من أطاع من كره ما نزل اللّه فقد كره رضوان اللّه . لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل ، فاستلزمت كراهة ما نزل ، كراهة رضوانه لأن رضوانه فيما نزل ، ومن أطاع كارهه ، فهو ككارهه . وقوله : فأحبط أعمالهم أي أبطلها ، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة . وقد أوضحنا المقام في ذلك إيضاحا تاما في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) [ الإسراء : 19 ] . وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] الآية . واعلم أن هذه الآية الكريمة ، قد قال بعض العلماء : إنها نزلت في المنافقين . وقال بعضهم : إنها نزلت في اليهود ، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل اللّه سنطيعكم في بعض الأمر ، وهو عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والتعويق عن الجهاد ونحو ذلك . وبعضهم يقول : إن الذين اتبعوا ما أسخط اللّه ، هم اليهود حين كفروا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما عرفوه وكرهوا رضوانه ، وهو الإيمان به صلّى اللّه عليه وسلّم . والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها ، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل اللّه . مسألة اعلم أن كل مسلم ، يجب عليه في هذا الزمان ، تأمل هذه الآيات ، من سورة محمد